سيد محمد طنطاوي
261
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( لا إِله إِلَّا هُوَ ) * أي : لا إله بحق وصدق إلا هو - سبحانه - . * ( إِلَيْه الْمَصِيرُ ) * أي : إليه المرجع والمآب يوم القيامة ، ليحاسبكم على أعمالكم في الدنيا . قال القرطبي : روى عن عمر بن الخطاب - رضى عنه - أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فلما سأل عنه قيل له : تتابع في هذا الشراب . فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان ، سلام عليك ، وأنا أحمد اللَّه إليك الذي لا إله إلا هو * ( بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّه الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) * إلى قوله - تعالى - : * ( إِلَيْه الْمَصِيرُ ) * . ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا . ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة . فلما وصل الكتاب إلى الرجل جعل يقرؤه ويقول : قد وعدني اللَّه أن يغفر لي ، وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ، ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته . فلما بلغ عمر ذلك قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلته فسددوه وادعوا اللَّه له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه « 1 » . ثم هون - سبحانه - على نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم من شأن الكافرين ، وأخبره بأنهم أتفه من أن يغتر بهم فقال : * ( ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّه إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) * . والمراد بالجدال هنا : الجدال بالباطل ، وأما الجدال من أجل الوصول إلى الحق فمحمود . وقوله : * ( فَلا يَغْرُرْكَ ) * جواب لشرط محذوف . والتقلب : التنقل من مكان إلى آخر من أجل الحصول على المنافع والمكاسب . أي : ما يجادل في آيات اللَّه الدالة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق التكذيب بها والطعن فيها . . إلا الذين كفروا بالحق لما جاءهم ، وإذا تقرر ذلك ، فلا يغررك - أيها الرسول الكريم - تقلبهم في البلاد ، وتصرفهم فيها عن طريق التجارات الرابحة ، وجمع الأموال الكثيرة ، فإن ما بين أيديهم من أموال إنما هو لون من الاستدراج ، وعما قريب ستزول هذه الأموال من بين أيديهم ، وستكون عليهم حسرة . . * ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ) * أي : قبل هؤلاء الكافرين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق * ( قَوْمُ نُوحٍ ) * الذين أغرقناهم بسبب هذا التكذيب لنبيهم .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 291 .